Me Writing

الحرباء والموت

حرباء1

_ لا أريد أن أموت حزينة يا أختي

ليس وكأن الحياة لا تنطوي إلا على الأحزان، ولكني في كل مرة أراك تعقدين جلسة صفاء مع ذاتك، أجدك غارقة بسواد لا ينتهي وظلمة ليس لغايتها حدود. أن يكون لسقف توقعاتك علو شاهق، لهو ما يؤرقك بحق، لابد لك أن تنسلي من مضاضات حياتك السابقة، و أن تتخلصي من صورتك الأولية، وصورتك التي تلتها والتي تلتها، تقبلي أنك هنا الآن، وأن تلك الوعود القديمة من الأصدقاء والأقرباء لم تكن إلا نقاط وضعت على حروف لتزين بعض الكلمات في لحظة من لحظات الغلو الباهظ. عيبك الوحيد يا أختي أنك لستِ بليدة، والبلداء في هذا البلد هم الناجون من وباء التعلق بالكلمات المبهرجة. لا تتوقعي أبدًا أن للخيبات نهاية، فبعض البشر اليوم يقتات على بعضهم الآخر ممتصين بذلك كل ما فيهم من طيبة ورقة وحب للحياة.

للحياة وجوه كثيرة، وليست كلها تستلزم وقوف أحدهم بجانبك، مادام الله فوقك وهو يراك ويسمعك ويعلم بسرك ونجواك، فكوني لله، كوني خفيفة لا يعتليك نقص. تعلمي أن تعيشي يومًا لذاتك بكل شفافية وإخلاص. أحبيها، صلي لله بها، وراقصيها، وداعبيها بكل أنواع الكتب، اشربي قهوتك معها، ودلليها بقطعة حلوى صنعت خصيصًا لأجلها. هي روحك، وأنت أحق بها. إياك وأن تستلمي لمن لا يثمن قوة الانتظار، ولا يتحسس حدة الكلمات، ولا يزن كمية المشاعر. انتبهي من تفسير كل ما يرى بما لا يرى، فإنه يجرحك بزيف مخيلتك ويهوي بك في دركات السواد الإعظم وربما هذه هي معضلتك.

يقال يا أختي أن الحياة هي انعكاس لدواخلنا، فتأملي قليلًا داخلك، وتأملي بعمق تعاملاتك مع من حولك. يتبادر إلى ذهني الآن تساؤل مهم: هل أنتِ خائفة من الموت؟ الخوف سيقتلكِ، وأفكارك ستنحرك. الخوف ليس إلا معول لهدم كل ما ينمو في داخلك. أنتِ تفرضين على كل الوعود أن تنتفي، ولأكون صريحة معكِ فربما كنت بالأساس حرباء جميلة متلونة توهم الناس بعدميتها، وتنعكس الخدعة عليها فتبقى وحيدة في نهاية الأمر. لستُ أنوي أن أحبطك بحديثي هذا ولكني أريدك أن تنظري للأمر من كل الزوايا، وتتدارسي حقيقة ما يؤلمك، وأن لا تكوني ساذجة لأن تنصاعي لأوهام لطالما بثتها سموم مخاوفك العبيطة.

إن الحب والخوف يا أختي لا يجتمعان أبدًا، كما أن الإبداع والتاريخ لم يكتبا أبدًا بحبر من الخوف. الخوف لم يخلق ليكون حاكمًا، بل خلق ليكون وضيعًا تافهً، وأنتِ كما عهدتك قوية في الحب، مخلصة للإبداع والتاريخ فاكتبي أنتِ التاريخ، وكوني لليوم حب، وللغد حضنًا دافئًا لكل من لامس فنك الساحر. لست أدري كيف تصاغ الكلمات في التعبير عن كمية الأمل وهالة البياض التي تشع من صدرك، ولكني أؤكد لك أن من يقول أن البياض هو رمز للموت، فهو مغفل كبير، وأن البياض هو رمز النقاء والصفاء.

أختي، يبدو أنكِ لست وحيدة في ازدراء الموت، فها أنا ذا، أضطر لنفي البياض عنه وكأنني أنزه البياض عن دنس الموت، ولكن الموت ليس إلا حقيقة الحياة، وفيصل العمل، وروح الوعود القديمة، وواقع الحب؛ فكيف لي أن أزدريه؟ وكيف لك أن تخافيه؟ ينتابني الآن خوف عظيم أننا لسنا مؤمنات بشكل كاف لنحترم الموت كما هو. أو ربما هذه كلها من هيبة الموت التي زرعها فينا الكبار يوم أن كنا صغارًا ؟!

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s